محمد عبد الله دراز

59

دستور الأخلاق في القرآن

اللاتي تحركت ضمائرهن إحساسا بالأزمة الأخلاقية النّاشئة عن الهزيمة ، فرأين ضرورة الاحتشام ، وسترن أجسادهن ، وشعورهن في الطّرقات ، فإذا بتلك الصّحفية تقلب القضية ، وتتهم الفتيات الفضليات بالتستر وراء الطّرحة ، وهن على مواعيد مع الشّبان ! ! نعم ، وفي غيبة المنهاج الأخلاقي يفلسف اللّص أهدافه من السّرقة ، ويباهي النّشال بما أوقع من ضحايا ، ويفاخر المدين بقدرته على أكل أموال النّاس بالباطل ، ويستعلن أهل الفساد بما أعدوا لطلاب المتعة الحرام من برامج رائعة ، وفنون ممتعة ، ثمّ لا توجد في نفس الفرد غالبا أية بادرة نحو الالتزام بقانون ، أو أدب عام ، أو واجب وطني . كلّ قانون منتهك . . . كلّ أدب مستباح . . . كلّ واجب مضيّع . ولقد يفسر بعض المتفائلين هذه الحالة بأنّها نتيجة الضّياع الّذي استقر في أعماق الفرد ، جراء النّكسة ، واستمرارها ، وأنّها سرعان ما تختفي عندما ينجلي كابوس الهزيمة عن النّفسية العربية ، مع أوّل انتصار تحققه على العدو الصّهيوني . وليس يمنعنا هذا الاحتمال من أن نقرر أنّ الهزيمة قد تمحوها طلقة رصاص ، أمّا الجريمة في مستواها الاحترافي فأعسر من أن تجلو عن المجتمع بمجرد الانتصار في الجبهة العسكرية ، إنّها ساكنة في أعماق أصحابها ، تجري في عروقهم مجرى الدّم ، ومحال أن نقتل الشّيطان بغير سلاح الأخلاق . ولقد أعلنت الدّولة ( في مصر ) مثلا عن إجراءات لمواجهة ما أطلقت عليه : ( حالات التّسيب ) ، وكان القصد هو محاربة الإهمال ، والاختلاس ، اللّذين فشا وباؤهما في مؤسسات القطاع العام ، وانتشرت جيفهما .